كل لوحة فيها ألف وجه
..

.
.
..

.
.
_________________________________
.
.
هل أعلمه الأدب أم أتعلم منه قلة الأدب ؟
.
.
هل أعلمه الأدب أم أتعلم منه قلة الأدب ؟
..
.
في كل صباح يقف عند كشكه الصغير ليلقي عليه تحية الصباح و يأخذ صحيفته المفضلة
.
و يدفع ثمنها و ينطلق و لكنه لا يحظى إطلاقا برد من البائع على تلك التحية, و في كل
.
صباح أيضا يقف بجواره شخص آخر يأخذ صحيفته المفضلة و يدفع ثمنها و لكن
.
صاحبنا لا يسمع صوتا لذلك الرجل، و تكررت اللقاءات أمام الكشك بين الشخصين كل
.
يأخذ صحيفته و يمضي في طريقه، و ظن صاحبنا أن الشخص الآخر أبكم لا يتكلم.
.
إلى أن جاء اليوم الذي وجد ذلك الأبكم يربت على كتفه وإذا به يتكلم متسائلا: لماذا تلقي
.
التحية على صاحب الكشك ؟ فلقد تابعتك طوال الأسابيع الماضية و كنت في معظم الأيام
.
ألتقي بك و أنت تشتري صحيفتك اليومية.
.
فقال صاحبنا : و ما الغضاضة في أن ألقي عليه التحية ؟
.
فقال : و هل سمعت منه ردا طوال تلك الفترة ؟
.
فقال صاحبنا : لا
.
قال : إذا لم تلقي التحية على رجل لا يردها ؟
.
فسأله صاحبنا : و ما السبب في أنه لا يرد التحية برأيك ؟
.
فقال : أعتقد أنه و بلا شك رجل قليل أدب, و هو لا يستحق أساسا أن تُلقي عليه التحية
.
فقال صاحبنا : إذن هو برأيك قليل أدب ؟
.
قال : نعم
.
قال صاحبنا : هل تريدني أن أتعلم منه قلة الأدب أم أعلمه الأدب ؟
.
فسكت الرجل لهول الصدمة و رد بعد طول تأمل : ولكنه قليل الأدب و عليه أن يرد التحية
.
فأعاد صاحبنا سؤاله : هل تريدني أن أتعلم منه قلة الأدب أم أعلمه الأدب ؟
.
ثم عقب قائلا : يا سيدي أيا كان الدافع الذي يكمن وراء عدم رده لتحيتنا فإن ما يجب أن
.
نؤمن به أن خيوطنا يجب أن تبقى بأيدينا لا أن نسلمها لغيرنا، و لو صرت مثله لا ألقي
.
التحية على من ألقاه لتمكن هو مني و علمني سلوكه الذي تسميه قلة أدب و سيكون
.
السلوك الخاطء هو الأقوى وهو المسيطر و ستنتشر بين الناس أمثال هذه الأنماط من
.
السلوك الخاطىء، و لكن حين أحافظ على مبدئي في إلقاء التحية على من ألقاه أكون قد
.
حافظت على ما أؤمن به، و عاجلا أم آجلا سيتعلم سلوك حسن الخلق.
.
ثم أردف قائلا : ألست معي بأن السلوك الخاطىء يشبه أحيانا السم أو النار فإن ألقينا
.
على السم سما زاد أذاه و إن زدنا النار نارا أو حطبا زدناها اشتعالا، صدقني يا أخي أن
.
القوة تكمن في الحفاظ على استقلال كل منا، و نحن حين نصبح متأثرين بسلوك أمثاله
.
نكون قد سمحنا لسمهم أو لخطئهم أو لقلة أدبهم كما سميتها أن تؤثر فينا و سيعلموننا
.
ما نكرهه فيهم و سيصبح سلوكهم نمطا مميزا لسلوكنا و سيكونون هم المنتصرين في
.
حلبة الصراع اليومي بين الصواب و الخطأ ...
.
ولمعرفة الصواب تأمل معي جواب النبي عليه الصلاة و السلام على ملك الجبال حين
.
سأله : يا محمد أتريد أن أطبق عليهم الخشبين ؟ فقال : لا إني أطمع أن يخرج الله من
.
أصلابهم من يعبد الله، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون
.
لم تنجح كل سبل الإساءة من قومه عليه الصلاة و السلام أن تعدل سلوكه من الصواب
.
إلى الخطأ مع أنه بشر يتألم البشر و يحزن و يتضايق إذا أهين كما يتضايق البشر و لكن
.
ما يميزه عن بقية البشر هذه المساحة الواسعة من التسامح التي تملكها نفسه، و هذا
.
الإصرار الهائل على الاحتفاظ بالصواب مهما كان سلوك الناس المقابلين سيئا أو شنيعا
.
أو مجحفا أو جاهلا، و يبقى السؤال قائماحين نقابل أناسا قليلي الأدب هل نتعلم منهم قلة
.
أدبهم أم نعلمهم الأدب ؟
.
.
مقالة للدكتور ميسرة طاهر في جريدة عكاظ جميل من العدد رقم 2364
2007.12.7

